الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
75
مختصر الامثل
كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحْرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » . وهذه عظة للمسلمين ، ودفع لما قد يعتريهم من يأس نتيجة عدم استطاعتهم إقناع اليهود وجذبهم إلى الدين الجديد . الآية التالية تلقي الضوء على حقيقة مرّة أخرى بشأن هذه الزمرة المنافقة وتقول : « وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ » . ويتضح من الآية أنّ إيمان هذه الفئة المنافقة من اليهود ، كان ضعيفاً إلى درجة أنّهم تصوروا اللَّه مثل إنسان عادي ، وظنوا أنهم إذا أخفوا شيئاً عن المسلمين فسيخفى عن اللَّه أيضاً . لذلك تقول الآية التالية بصراحة : « أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ » . وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ( 78 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : عمد جمع من علماء اليهود إلى تغيير صفات نبيّ الخاتم في التوراة من أجل صيانة مصالحهم ، واستمرار الأموال التي كانت تتدفق عليهم سنوياً من جَهَلَة اليهود . فعند ظهور النبي صلى الله عليه وآله غيّروا ما ذكر من صفاته في التوراة وأبدلوها بصفات أخرى على العكس منها ، كي يموّهوا الأمر على الأميين الّذين كانوا قد سمعوا من قبل بصفات النبي في التوراة ، فمتى ما سألوا علماءهم عن هذا النبي الجديد قرؤوا لهم الآيات المحرفة من التوراة لإقناعهم بهذه الطريقة . التّفسير خطّة اليهود في استغلال الجهلة : بعد الحديث عن انحرافات اليهود في الآيات السابقة قسّمت هاتان الآيتان اليهود إلى مجموعتين : أميين وعلماء ماكرين . عن المجموعة الأولى يقول تعالى : « وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لَايَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ » .